الآلوسي

103

تفسير الآلوسي

وقال كثيرون : حرام للحديث الحسن أنه صلى الله عليه وسلم نهى عنه ، وعن التزام الغير وتقبيله ، وأمر بمصافحته ما لم يكن ذمياً ، وإلا فيكره للمسلم مصافحته بل يكفر إن قصد التبجيل كما يكفر بالسلام عليه كذلك . وأفتى البعض أيضاً بكراهة الانحناء بالرأس وتقبيل نحو الرأس أو يد أو رجل لا سيما لنحو غني لحديث : " من تواضع لغني ذهب ثلثا دينه " وندب ذلك لنحو صلاح أو علم أو شرف لأن أبا عبيدة قبّل يد عمر رضي الله تعالى عنهما ، ولا يعدّ - نحو صبحك الله تعالى بالخير ، أو قواك الله تعالى - تحية ولا يستحق مبتدأ به جواباً ، والدعاء له بنظيره حسن إلا أن يقصد بإهماله له تأديبه لتركه سنة السلام ونحو مرحباً مثل ذلك في ذلك ، وذكر أنه لو قال المسلم السلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته ، فقال الراد : عليك السلام فقط أجزأه لكنه خلاف الأولى ، وظاهر الآية خلافه إذ الأمر فيها دائر بين الجواب بالأحسن والجواب بالمثل ، وليس ما ذكر شيئاً منهما ، وحمل التحية على السلام هو ما ذهب إليه الأكثرون من المحققين وأئمة الدين ، وقيل : المراد بها الهدية والعطية ، وأوجب القائل العوض أو الرد على المتهب - وهو قول قديم للشافعي - ونسب أيضاً لإمامنا الأعظم رضي الله تعالى عنه ، وعلل ذلك بعضهم بأن السلام قد وقع فلا يرد بعينه فلذا حمل على الهدية وقد جاء إطلاقها عليها ، وأجيب بأنه مجاز كقول المتنبي : قفى تغرم الأولى من اللحظ مقلتي * بثانية والمتلف الشيء غارمه وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عيينة أنه قال في الآية : أترون هذا في السلام وحده هذا في كل شيء من أحسن إليك فأحسن إليه وكافِه ، فإن لم تجد فادع له واثن عليه عند إخوانه ، ولعل مراده رحمه الله تعالى قياس غير السلام من أنواع الإحسان عليه لأن المراد من التحية ما يعم السلام وغيره لخفاء ذلك ، ولعل من أراد الأعم فسرها بما يسدى إلى الشخص مما تطيب به حياته * ( إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْء حَسيباً ) * فيحاسبكم على كل شيء من أعمالكم ؛ ويدخل في ذلك ما أمروا به من التحية دخولاً أولياً . هذا ومن باب الإشارة في هذه الآيات : * ( الذين آمنوا يقاتلون ) * أنفسهم * ( في سبيل الله ) * فيهلكونها بسيوف المجاهدة ليصلوا إليه تعالى شأنه : * ( والذين كفروا يقاتلون ) * عقولهم وينازعونها * ( في سبيل ) * طاغوت أنفسهم ليحصلوا اللذات ويغنموا في هذه الدار الفانية أمتعة الشهوات * ( فقاتلوا أولياء الشيطان ) * وهي القوى النفسانية أو النفس وقواها * ( إن كيد الشيطان كان ضعيفاً ) * ( النساء : 76 ) فوليه ضعيف عاذ بقرملة * ( ألم تر إلى الذين قيل لهم ) * أي قال لهم المرصدون * ( كفوا أيديكم ) * عن خاربة الأنفس الآن قبل أداء رسوم العبادات * ( وأقيموا الصلاة ) * والمراد بها إتعاب البدن بأداء العبادة البدنية * ( وآتوا الزكاة ) * والمراد بها إتعاب القلب بأداء العبادة المالية فإذا تم لكم ذلك فتوجهوا إلى محاربة النفس فإن محاربتها قبل ذلك بغير سلاح ، فإن هذه العبادات الرسمية سلاح السالكين فلا يتم لأحد تهذيب الباطن قبل إصلاح الظاهر * ( فلما كتب عليهم القتال ) * حين أداء ما أمروا بأدائه * ( إذا فريق منهم ) * لضعف استعدادهم * ( يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ) * فلا يستطيعون هجرهم ، ولا ارتكاب ما فيه ذل نفوسهم خشية اعتراضهم عليهم ، أو إعراضهم عنهم ، * ( وقالوا ) * بلسان الحال : * ( ربنا لم كتبت علينا القتال ) * الآن * ( لولا أخرتنا إلى أجل قريب ) * وهو الموت الاضطراري ، فالمنية ولا الدنية ، وهذا حال كثير من الناسكين يرغبون عن السلوك وتحمل مشاقه مما فيه إذلال نفوسهم وامتهانها خوفاً من الملامة ، واعتراض الناس عليهم فيبقون في حجاب أعمالهم - ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً ولبئس ما كانوا يصنعون - * ( قل متاع الدنيا قليل ) *